الآمدي
29
الاحكام
والمعتمد في المسألة الكتاب والسنة والاجماع . أما الكتاب فقوله تعالى : * ( فاعتبروا يا أولي الابصار ) * ( الحشر : 2 ) أمر بالاعتبار ، والاعتبار هو الانتقال من الشئ إلى غيره ، وذلك متحقق في القياس حيث إن فيه نقل الحكم من الأصل إلى الفرع . ولهذا ، قال ابن عباس في الأسنان اعتبر حكمها بالأصابع ، في أن ديتها متساوية ، أطلق الاعتبار ، وأراد به نقل حكم الأصابع إلى الأسنان ، والأصل في الاطلاق الحقيقة وإذا ثبت أن القياس مأمور به ، فالامر إما أن يكون للوجوب ، أو للندب على ما سبق في الأوامر . وعلى كلا التقديرين ، فالعمل بالقياس يكون مشروعا . فإن قيل لا نسلم أنه أمر بالاعتبار ، وصيغة افعلوا مترددة بين الامر وغيره ، كما سبق في الأوامر ، وليس جعلها ظاهرة في البعض أولى من البعض ، سلمنا أنها للامر ، ولكن لا نسلم أن الاعتبار ما ذكرتموه ، بل هو عبارة عن الاتعاظ ، ويدل عليه أمران : الأول قوله تعالى : * ( إن في ذلك لعبرة لأولي الابصار ) * ( آل عمران : 13 ) وقوله : * ( وإن لكم في الانعام لعبرة ) * ( النحل : 66 ) والمراد به الاتعاظ ، إذ هو المتبادر إلى الفهم من إطلاق هذا اللفظ . الثاني أن القائس في الفروع إذا أقدم على المعاصي ، ولم يتفكر في أمر آخرته ، يقال إنه غير معتبر ، ولو كان القياس هو الاعتبار ، لما صح سلب ذلك عنه . سلمنا أن الاعتبار ظاهر في القياس ، لكنه قد وجد في الآية ما يمنع من الحمل عليه ويصرفه إلى الاعتبار بمعنى الاتعاظ ، وذلك قوله تعالى : * ( يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين ) * ( الحشر : 2 ) ولو كان الاعتبار بمعنى القياس لما حسن ترتيبه على ذلك ، وإنما يحسن ذلك عند إرادة الاتعاظ . سلمنا أن المراد به القياس ، غير أنه ليس في الآية صيغة عموم تقتضي العمل بكل قياس ، فكانت الآية مطلقة ، والمطلق إذا عمل به في صورة أو صور لا يبقى حجة فيما عداها ، ضرورة الوفاء بالعمل بدلالته ، وقد عملنا بذلك في القياس العقلي